أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

مقدمة 36

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

يشكّك في دقّة النقل ، ويشيع أنّي تلاعبتُ بالمضمون . وبطريق أولى فأنا لا أحبُّ لأحدٍ أن يكذّبني في شيءٍ نقلته عنه . نعم ؛ لقائلٍ أن ينفي صحّة معلومةٍ نقلتها عنه من جهة أنّه نقل لي ما هو غير صحيح . وحول الحديث عن الدقّة ، تجدر الإشارة إلى أنّني ربّما أورد الرسالة المؤرّخة بتاريخ معيّن ، فأعبّر بأنّها أرسلت بالتاريخ المذكور ، مع أنّ غاية ما يمكن استفادته هو أنّها حرّرت بذلك التاريخ ، وهذا من التسامح الذي التفتُّ له في آخر مراحل العمل ، فلم أتداركه . نقد متون الروايات ومضامينها 1 - التزمت في الكتاب - حيث أمكن - بممارسة عمليّة تقويم ونقد للمتون المرويّة ، واكتفيتُ بتسجيل ذلك في الهوامش . وهذا الأسلوب بات معروفاً في الأبحاث التاريخيّة ، ويُمكن مشاهدته كذلك في ما كتبه المتقدّمون حول ما يعرف ب - ( موضوعات الأخبار ) ، وهو ما أكّد عليه ابن خلدون في ( مقدّمته ) حيث قال : « اعلم أنّ فن التاريخ فنٌّ عزيز المذهب ، جمُّ الفوائد ، شريف الغاية ؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم ، والأنبياء في سيرهم ، والملوك في دولهم وسياستهم ، حتّى تتمّ فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا ، فهو محتاج إلى مآخذ متعدّدة ، ومعارف متنوّعة وحسن نظر وتثبّت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلّات والمغالط ؛ لأنّ الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرّد النقل ولم تحكّم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربّما لم يؤمن فيها من العثور ومزلّة القدم والحيد عن جادة الصدق . وكثيراً ما وقع للمؤرّخين والمفسّرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرّد النقل غثّاً أو سميناً ، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار ، فضلّوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات ، إذ هي مظنّة الكذب ومطيّة الهذر ، ولا بدّ من ردّها إلى الأصول وعرضها على القواعد . . » « 1 » . ولا يخفى على أحد أنّه لا ملازمة بين إسناد المعلومة وبين الاعتماد عليها ، ولذلك لم أتردّد في ممارسة هذه العمليّة ، حيث قمت بمناقشة ومحاكمة بعض الأمور التي ظهر لي عدمُ دقّتها في نقل بعض الأخبار أو ما اكتنفها على الأقلّ ، فقمتُ بتشذيبها دون أن أهمل ذكرها ، إذ ربّما أفادت غيري . وإذا وقع تعارضٌ بين مجموعة من الأقوال ، كنتُ أعمدُ إلى ترجيح بعضها على البعض الآخر وفق القرائن والمعطيات المتوفّرة . وقد سهّل الخطب أنّ مجال البحث التاريخي أجنبيٌّ عن مسألة الحجيّة بمعناها المطروح في أبحاث علم الأصول ، إذ لا معنى هنا للتعبّد بمؤدّى الأمارات . ولذا كانت أخبار الثقات أدوات كاشفة

--> ( 1 ) تاريخ ابن خلدون ، القسم الأول من المقدمة : في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه . .